مرت أربعة عشر شهرا و أسبوعان, مر كل هذا
الوقت و الحال كما هو. نوم متقطع في الليل. أرق لم أعشه في أي يوم من أيام
حياتي الممتدة على مدى خمسة و خمسين عاماً. لا أعرف إن كنت قد ارتكبت جريمة
! ( بالطبع لم أرتكب أي جريمة). لا أعرف إن كنت قد اغتصبت و أعاني من آثار ما بعد
الصدمة !! ( من المؤكد أنني لم أُغتصب فيزيائياً – جسديا- و لكني لا أعرف إن كنت
أعيش آثار ما بعد الصدمة).
مر كل هذا الوقت و أنا غارق في الأرق و في مناجاة نفسي و في رغبة جامحة في
الانتقام. منذ اليوم الأول, تراودني فكرة سرد الحكاية. بدأت بعد بضعة أيام من
مكالمتي مع سامي يوسف بسرد شذرات من الحكاية. لم أكن في البداية معنيا بإيصال أيه
رسائل إلى سامي يوسف أو إلى غيره. كانت الهواجس و الأحلام تهاجمني من كل صوب. بدأت
الحكاية تؤرقني منذ اليوم الأول الذي ذهب فيه أبي و عمي قبل أكثر من ثلاثة عشر
عاما بالأوراق ليطلعونه عليها, فإذا به يتحايل عليهما بأنه سيطلب من ابنه بتصوير
الأوراق بالماسح الضوئي و أنه سيقوم بتغليف الأوراق بالجلاتين. في البداية, نظرت
إلى الحكاية كقصة بوليسية فيها بعض الخفايا و الألغاز, لكنني مع الوقت أدركت أن
الأوراق و ما عشته تسرد الحكاية بدون أي لبس. صارت الحكاية أمامي واضحة مثل
كف اليد بكل ما فيها من تضاريس. واضحة تماما, لكن بها الكثير من المسامات و
التعاريج. إنها حكاية تمتد على أكثر من قرن و نصف. إنها حكايتي, حكايتي
اليوم و بالأمس و غداً. حكاية أبي الذي سمموا دمه بالاكتئاب و هم يبثون نرجسيتهم,
فالنرجسيون يبثون أذاً غير طبيعي, فبالرغم من أن كل البشر يؤذون بعضهم
الآخر عبر علاقاتهم مع بعض, فإن النرجسيون يبثون أذاً روحياً , و ينشرون الظلام
حولهم. إنها حكاية جدي و أبيه و أمه و أخته و أخيه. حكاية أعرف عنها أشياء و أجهل
أشياء أخرى. لا أعرف ما هو المهم و ما الثانوي من تلك الأشياء. أين الهامش و أين
المتن. لكنني بالتأكيد مزجت رؤيتي للحكاية مع أوضاعي الشخصية و نظرتي لما حدث معي.
قبل شهرين أخبرت رسميا بأن الجامعة أقرت أطروحتي للدكتوراه بناء على توصيات
الممتحنين. بعدها بأقل من أسبوعين بدأت بمحاولة سرد الحكاية و لكني و جدت نفسي
مغرقا بسرد يومياتي في الغربة, كأنني أهرب من مواجهة الحكاية , بسرد حكاية موازية.
فالحكاية تثير لشخص مثلي الكثير من الحزن و الغضب و التساؤل. تجعلني أكتب بحبر
الكراهية و تشلني. الحكاية تجعلني على حافة الجنون, أو على الأصح في قلب
الجنون.
لا أعرف الآن إن كان على البدء من جديد بسرد الحكاية. هل علي أن أبني على
الشذرات الشحيحة التي نشرتها على الفيس بوك على مدار ما يزيد من سنة, فليس لي أدنى
تجربة حقيقية في كتابة سردية طويلة تمتد على أكثر من قرن من الزمان. في اليومين
صارت تراودني فكرة أن أترك تعليقا على قناة اليوتيوب التابعة لدائرة اللاجئين في
منظمة التحرير الفلسطينية التي عرضت اللقاء الذي أجري مع سامي يوسف, على ما يبدو
بناء على رغبته, ليخرج الجنرال من عزلته, فابنته الثانية تعمل في نفس الدائرة.
فكرت أن أفصل ردي على كل ما قاله سامي يوسف في تعليق مطول , أخبرهم فيه أن ما
يقوله سامي يوسف هو محض هراء , و أطلب منهم حذف الفيديو. سرعان ما تخليت عن
الفكرة. الأفكار المجنونة تأتي و تذهب. أحيانا أفكر بأن أنشر منشورا مخصصا بسامي
يوسف لا يراه إلا هو مستخدما خصائص النشر على الفيس بوك. أعيد النظر بالفكرة و
أعدلها. أرجح أن من الأفضل أن أخصص المنشور لكل سلالة سامي يوسف و أخوته و أبناءهم
و كل من يمت لهم بصلة قريبة. أفكر أن أنشر صور بعض الأوراق التي قد يخجل منها سامي
يوسف و أخوته. (مثلا وثيقة فك عقد الشراكة بين جدي و الحج أنور التي تفيد
بأن والد سامي يوسف – الحج يوسف- كان قد أستولى و وضع يده على البضاعة
التي تركاها في المجدل عند هجرتهما منها, و أنهما سيعملان مشتركين أو منفردين ,
عند عودتهما إلى المجدل, من اجل تحصيل قيمة تلك البضائع التي وضع الحج يوسف
يده عليها و أن كل شيء يحصل عليه الطرفين آنذاك سيقسم بين الفريقين مناصفة). فكرت
أن أنشر وثيقة فك عقد الشركة في ذكرى النكبة فالوثيقة تحوى على دلالات عديدة
بالأمل الذي ساور الناس بالعودة الى ديارهم في السنوات الأولى بعيد النكبة, لكنني
سرعان ما أحجمت عن ذلك.
بعد أيام قليلة من مكالمتي الهاتفية مع سامي يوسف داهمني كابوس مكيف الهواء كتلك
الكوابيس التي صارت تزورني بمواظبة بعد عودتي إلى إدنبره قبل ست سنوات. لم تكن تلك
الكوابيس بعيدة عن الواقع و لا عن رؤيتي لهذا الواقع و تفسيري له.
رأيت جدي في الحلم. بدأت بكتابة الكابوس – الحلم محاولا تفسيره و تأويله و
البناء عليه. كنت قد حصلت على كل الوثائق الخاصة بالمجدل من الإرشيف
الإسرائيلي. نقبت في الوثائق في الأضبارات. عرفت مساحات أملاك والد جدي التي
دفع جدي ضرائبها. حملت كل أعداد جريدة الإتحاد منذ صدورها عام 1944 حتى
بدايات 1951 و نقبت على كل ما يخص المجدل فيها. كما أنني اشتريت نسخة
إليكترونية من كتاب " تصحيح خطأ " لبني موريس, حيث يحتوي
الكتاب فصلا عن تهجير أهل المجدل, و حاولت أن أقرأ كل ما كتب عن
المجدل بدأَ بما أعده الباحث رشاد المدني تحت إشراف عالم الأنثروبولوجيا
د شريف كناعنة, و استمعت إلى ساعات من تسجيلات الكاسيت و الفيديو التي وثقها
مشروع التوثيق الشفهي لجامعة بيرزيت و موقع Palestine Remembered على
الإنترنيت.
حفزني الكابوس – مكيف الهواء – على كتابته و تلخيص الحكاية بشكل سوريالي
مبهم. حاولت أن أوصل رسالة, لم أعرف إن كانت قد وصلت أم لم تصل لسامي يوسف و لكني
واثق أنها مع غيرها وصلت لابن سامي يوسف و أخوته, فلقد أخبرني وليد السرطاوي أن
إبن سامي يوسف منزعج من وصفي لهم باللصوص و أنني أهذي ( أهاتي) , وأنه يدعي أن
والده غير مهتم بالموضوع برمته. لم أعرف إن كان سامي يوسف غير مهتم بالموضوع
لنرجسيته أم أن ابنه يوسف قد حال بينه و بين رؤية منشوراتي عبر تقنيات الفيس
بوك.
( توطئة أو إطار سياسي لسرد طويل
جداً)
هذه أوراق جدي. هذه أوراقه القديمة. هذه
أرضه. عقاراته. دكانته و أنواله و مسدياته. هذه هي الحكاية.
ذهبت أرض جدي و عقاراته , بيته و تعبه.
وضعوا أيديهم على أوراقه القديمة, و لكن هيهات أن يسلبوا مني الحكاية. سأسرد
الحكاية بلا روتوش و بدون أدنى تحيز, فمن يملك الحكاية يرث أرض الحكاية. سأرث أرض
جدي عندما أكمل كتابة الحكاية.
بعد ما مضى من العمر, و من الخذلان و
الخيانات الصغيرة و الكبيرة, صرت املك الحكاية. تعبت. نقبت عنها بتؤدة و
بعناية. عملت عليها بصمت و صبر. بحثت عن الحقيقة في الخفاء و في العلن, و ها
أنا أجاهد العمر كي أسرد الحكاية. أنقب في الأضبارات . في الدفاتر القديمة. أقرأ الدفاتر القديمة. الذكريات التي خطت في
المذكرات. تسجيلات الشهادات الشفهية. أنقب في الجرائد القديمة. أنفض الغبار عما
سمعته من جدي قبل ستة و ثلاثين عاما. أذهب إلى الوون درايف. أعيد
الاستماع إلى أكثر من دزينة لتسجيلات له على أشرطة الكاسيت التي التي
استطعت أن أحولها إلى ملفات محوسبة. تنفعني بضع و عشرين دقيقة من صوت عمي و
هو يقص حكايته و هو يعود حافيا على شاطئ البحر من غزة إلى مكان ميلاده و إلى
حيث كان يلعب, ليمكث أربعة عشر شهرا و نيف يراقب ما كان يجرى حتى بلغ
الرابعة عشر من عمره.
أحاول أرسم حركات أيدي عماتي و تغير
تقاسيم أوجههن و أنا أستمع إليهن و هن يسردن ببساطة و طيبة ما عشن : " اللي
شوفناه ما شافوش حدا" . أفك شفرة الأوراق البالية. أستصدر التصاريح لمعاينة
أوراق الطابو و ضرائب الأملاك. أبحث عن الخرائط الجوية و سجلات المساحة. أمسك طرف
خيط من إحدى المسديات المنصوبة في قاعة النول التي كنا نلعب فيها أنا و محمد في
مخيم جباليا. أعيد قراءة ملفات البي دي أف. أتفحص وثائق على شكل صور ملفات جي بي جي أفلتت من وضع يد اللصوص و السرسرية
و من الذوبان بفعل عصارة معدة الغزاة. ألاحق كوابيسي في المنام و يوقظني
نحيب جدي و هو يبكي كطفل صغير بعد أن غادر عقده السابع ببضع سنين. أفرد خريطة
للبلاد و صورة لأهلها على مدى أكثر من قرن من الزمان.
أفتح الأضابير. ملف 1284. من عام 1943 حتى
عام 1948. ضريبة أملاك لمنطقة حضرية- المجدل. مربع شقورة. الأضبارة رقم واحد.
أحاول أن أفك شفرة الدفاتر. أن أفهم اللغة الخشبية للملفات. أغرق في تفاصيل
التفاصيل. كل شيء مكتوب بقلم كأنه قلم رصاص. يبدو أنه قلم كوبيا لم تمسه الرطوبة.
كل شيء مكتوب. اسم صاحب العقار. مساحة العقار. سنة الضريبة. سعر المتر
التقريبي. مجمل الضريبة على السنة. أصطدم أحيانا بملاحظات و بشطب. أغرق في
التفاصيل الصغيرة, في تفاصيل التفاصيل.
خليل إبراهيم شاهين و إخوانه. ثمانية
أمتار. أتوقف منذ البداية. تستوقفني الثمانية أمتار هذه. ماذا سيفعل رجل و أخوته
بثمانية أمتار. أفكر قليلا. يبدو أنني أعرف هذا الرجل. شاهدت هذا الرجل المسيحي و
هو في أواخر السبعينيات من عمره قبل ثمانية و عشرين عاما في سوق الذهب في
القيسارية بغزة و عرفه على حينها حفيده فعاملني كانه يعرفني من خمسين عاما. حسنا
الثمانية أمتار قد تصلح محلا لبيع المجوهرات. يتكرر الاسم و إخوانه. سته
أمتار. أفهم أن الأمتار السته من الممكن أن تكون ورشة صغيرة لصياغة الذهب و الفضة.
إبراهيم أحمد عيسى دهمان و شركاه, ستة و عشرين مترا قد تصلح أن تكون دكانة أو
مخزنا. يتكرر الاسم و شركاه و تختلف المساحة. مئة و ستة و ثلاثون مترا قد
تصلح أن تكون مخزنا كبيرا أو قاعة للنول وسط بلدة تعج بالصناعات الخفيفة و التجارة
في النهار, لتنام في الليل. أقرأ الأسماء. محمد طه صالحة و أخوته
أحمد و سليم و أختهم روضة . مائتان و ثمانية عشر متراً . الضريبة على المتر 200
مليما فلسطينيا سنويا. محمد الحاج عبد القادر شبلاق. أحمد الحاج عبد القادر شبلاق
. أمين أحمد شبلاق. شفيق يوسف تميم نجم. يتكرر الاسم. حسن تميم نجم. مساحات صغيرة
تصلح كدكاكين لأقارب و أخوة. محمد أحمد عبد الله الشريف. الشيخ سليم الشريف و حسين
الشريف و مصباح الشريف في عقار من أكثر من مئتي متر تصلح مساحته أن يكون بيتا
مشتركا لإخوة.
أبدأ بفهم شفرة الصفحات. أتجاهل مساحة
العقار و سعر المتر و قيمة الضريبة. أكتفي بتقليب الصفحات و قراءة الأسماء.
عقار لبلدية المجدل. يتكرر المالك لثلاث مرات. إبراهيم رشاد طه صالحة و شركاه.
محمد ياسين شرف. الحاجة دلول حسن شمعة. آمنة الشيخ طه حجازي و ابنها. مأمور وقف
غزة يتكرر على أكثر من صفحة. حسن يوسف داود و شركاه. حليمة محمد شاتيلا. أحمد محمد
المدهون. خليل إبراهيم أبو زاهر. حليمة محمد الدماغ. لطيفة إبراهيم شلحة. يستوقفني
إسم جدي رباعيا. الحج خليل حسين محمود عاشور. أتوقف عن تقليب الصفحات. أتأكد اننا
ما زلنا في مربع شقورة و أنظر إلى الصفحة المقابلة. عشرون مترا كاملة قد تكون دكان
سيدي. أستمر في قراءة الأسماء و تقليب الصفحات. سليم خليل تنيرة. تتوالى الأسماء و
البيانات. أنتقل إلى الدفتر الثاني. أنتهي من الأضبارات.
يستوقفني اسم جدي من جهة أبي لأربع مرات. عقارات تصلح كبيوت أو مخازن أو
قاعات نول أو دكاكين. يستوقني إسم جدي من جهة أمي شريكا لأخونه الثلاثة لعقار من
ألف و تسعمائة متر و نيف. أتذكر أن فرقة على الكسار استأجرت بيتهم لتقيم
حفلها فيه عندما حلت بالبلد.
أنتهي من أضبارات ضرائب الأملاك. أقرأ
أسماء الشهداء في كتاب عارف العارف عن الفردوس المفقود. أقرأ تفاصيل شهداء بلا أسماء و لا عناوين. أعداد بالعشرات قتلوا في
البيارات و الكروم الواقعة في الطريق إلى الجورة. تذكرني مجلدات عارف العارف, بتسجيلات سيدي الحج خليل و هو يحدثنا عن أساطير
الأولين.
لم نهرب من البلد و لم يحرضنا أحد على أن
نهاجر.
في السادس عشر من تشرين أول أغارت
الطائرات المقابر و على البيارات الواقعة بين الجورة و المجدل حيث كان
اللاجئين من القرى المجاورة يتفيؤون تحت الشجر. في ساعة مبكرة من صباح اليوم
التالي رمت الطائرات حممها و براميلها على المدينة و أصابوا سدس مبانيها. دمروا
براكات المستشفى الميداني للجيش العسكري المصري و مدرسة الذكور و أصابوا جانبا من
مدرسة البنات الواقعة خلف ضريح الشيخ ظلام. بعد ذلك, خرج كل أهل البلد إلى ساحة
المدينة بالقرب من الجامع الكبير و كأنهم يتظاهرون محتجين على عدم قدرة الجيش
المصري على حمايتهم. خرجوا إلى الساحة بنسائهم و رجالهم , و بشيوخهم و أطفالهم,
كما لم يخرجوا من قبل عشر سنين في ثورة الستة و ثلاثين. في مساء نفس اليوم
أعادت الطائرات, التي جاء بها إلياهو جوجانسكي من براغ, الكرة مرة أخرى, فقتلوا
أعدادا من السكان, من ضمنهم أسرتين كاملتين أبيدتا تماما من عائلة بعلوشة, و
من المحتمين شمال المدينة.
الدكتور مصطفى الطبيب الشاب الذي كان
يداوي المرضى قاد سيارته الحديثة إلى غزة. بدأ الناس يرحلون. أصدر مصطفي الصواف
المسؤول عن الأمور المدنية في إدارة المناطق الخاضعة لرقابة القوات الحربية
المصرية بيانا وزعوه على الناس . كان يستنكر في البيان ارتباك الناس و رعبهم
و ميلهم نحو الهجرة , ويحثهم على البقاء في بلادهم. بعد أيام قلائل, أخلى الجيش
المصري مقر قيادته في المدينة.
خرجنا من البلد إلى غزة. تركت دكانة
السمانة بكل ما فيها من بضاعة من الأرض للسقف. تركت الأنوال و المسديات في
القاعات. تركت مخازني بخيوطها و نسيجها.
كانت الطريق البرية محفوفة بالمخاطر,
فانسحبت بقايا عربات و جمال الجيش المصري تدريجيا عبر شاطئ البحر. بنهاية الشهر
أنهي الجيش وجوده في المدينة و خرج تسعين بالمئة من سكانها إلى غزة.
أخرج بيني موريس لسانه لي و ضحك متحديا في
وجهي. أخبرني أنهم لم ينسونا في أحشاء إسرائيل و أننا كنا مجرد زائدة دودية فصححوا
الخطأ.
لم أفهمه في البداية. تذكرت أن أكثر من
ألف من سكان البلد و من المهاجرين إليها بقوا فيها و التحق بهم لاحقا عدد
مماثل لهم ممن لم ترق لهم الأحوال في غزة فآثروا أن يبيتوا في بيوتهم بدلا من
النوم الخيام و بيوت المضيفين و الغرف المستأجرة, لمن استطاع لذلك سبيلا. لم
أنسي كلام عمي عن عودته حافيا مع أفواج من العائدين على طريق شط البحر و لا عما
كان يراه.
جاء البالماخ بعواجيز و ناس لم يقتلوهم
بالخطأ في الصحراء. بفتيات لم يغسلونهن بالكيروسين قبل أن يغتصبونهن. بستين أسرة
من قرى قطرة و عاقر و غيرها من القرى المجاورة لهما. بعد أشهر قلائل أحصى
الإسرائيليون أكثر من ألفين و ستمائة ألف نسمة و منحوا بطاقات هوية لأكثر من
ستمائة رجل بالغ. بعد ثلاثة أشهر جاؤوا برجال من المستوطنات و من المعبأروت و
سلموهم بيوتا من أملاك الغائبين و مع الوقت جلب الرجال أسرهم القادمة من مصر و
العراق و سوريا و اليمن و المغرب. صاروا يفرغوا البيوت من سكانها و ينقلونهم إلى
المنطقة المسيجة ليسكن اليهود القادمين من المعباروت في البيوت القابلة للسكن خارج
السياج. كانت ستي حلوة التي أصيبت لاحقا بالعمى تحدثنا عن التيل ( السياج يبدو
بالتركي).
بعد سنة, اكتشف بين غوريون أن
إسرائيل مصابة بالزائدة الدودية, فكلف الدكتور موشيه دايان أن يستأصلها. خلال سته
أشهر رحلوا نصف من بقوا في بلدهم. عاد عمي الأكبر و ستي حلوة إلى غزة بعد
حلول الربيع . رحل العشرات ممن كان لهم خصوم أو ثأر إلى الضفة الغربية أو من كان
لهم أهل أو أقارب هناك. بقى أبو حليوة الذي كان يستخدمه الناس في تخويف بعضهم
ليحلوا خصوماتهم في المجدل. لكن في النهاية أجبروه أن يغادر و يوقع فأختار أن يرحل
إلى غزة بالرغم من كل أعداءه. سكن بالقرب من وادي غزة, فلقد كان العمل في كروم
العنب بالقرب من البحر يذكره بالخصاص. و في النهاية خرجت الغالبية إلى غزة و
القليل من العائلات إلى الضفة الغربية و تبقت سبعة عشر عائلة في بطن الحوت .
خرج توفيق طوبي من مبنى الكينيست بعد أن
اقترح تجنيد العرب في جيش الدفاع, فهم ليسوا أفضل من المناضلة إرنا مير-خميس.
تذكرت زاهي كركبي في براغ و هو يحاضر لنا بعربية تشبه لهجة طوبي الهجينة بالعبرية.
ندبت حظ إميل توما البائس الذي جعل توفيق يمارس الوصاية عليه كصهر و كرفيق في
الحزب بعد إقراره بالذنب. قال لي توفيق طوبي بلدياتك اعتذروا لنا في النهاية
بعد أن اتبعوا الماباي لثلاثة و عشرين شهرا, فلم يغفر لهم ذلك أن يطردوهم. حدثني عن أسماء رفيقيه الذين بقيا في اللد و الرملة
ليعملا في بيارات الحمضيات بعد أن كانا معلمي مدرسة. دار في ذهني أن توفيق طوبي
كان من الممكن أن يضيف أن سيدي الحج خليل يمثل الرجعية العربية و الإمبريالية العالمية.
( أه منك يا سعيد أبي النحس المتشائل !)
رأيت مور كانداليك-طناني اليوم السبت
صباحا و أنا راجع إلى البيت من مسبح الكومنويلث بول في إدنبره . استوقفتها فقالت إلى أنها ذاهبة إلى المعبد
اليهودي . كنت قد تعرفت على مور بالصدفة في الثاني من إبريل عام 2015 عندما عاينت
شقة كنت أنوي السكن فيها. أخبرتني سابقا أنها ولدت في الجولان السوري بعد
احتلالها بتسع سنين و قالت لي و كأنها تعتذر أنها خدمت في وحدة غير قتالية في
جيش الدفاع و أن زوجها استقل أقرب طائرة إلى إدنبره عندما استدعوه لخدمة
الاحتياط أثناء حرب 2014 على غزة. استفسرت عن أحوالها بسرعة, و سألتها
أين كان تقيم في أخر أيامها في إسرائيل قبل أن تهاجر إلى إدنبره. ابتسمت و
قالت لي أنت تعرف أن زوجي من أصول مصرية و عندما هاجر أهله منها منحوهم بيتا قديما
و جميلا في أشكيلون و لقد ورثنا هذا البيت بما فيه من أهله وسكنا هناك. ودعتها و
أخبرتها أنني سأتصل بها قريبا لنتحدث و أنني قد أدعوها لتناول فنجان قهوة تركية مع
البقلاوة في المطعم اللبناني المقابل للمعبد.
عدت إلى البيت متعباً. رأيت سيدي الحج
خليل. كان بعيدا لكننا كنا في نفس الغرفة . لم يكن يرتدي حطته و عقاله. كان يعتمر
طاقية كطاقية الحجاج. كانت ذقنه مشذبه جيدا. نظر إلى مبتسما. صار وجهه يحتل
كل نظري. نادي على بصوت عالي كأنه يستحثني بالتوجه نحوه : " آدم".
أجبته باستغراب : " أنا هابيل يا سيدي". طالما قص على جدي حكاية
قابيل و هابيل. قال: " كلنا أولاد آدم و حوا يا سيدي".
ابتسم ابتسامة لئيمة لم أعهدها يوما على وجهه, ثم أردف ضاحكاً: "
عولام حداشيم".
أفقت من غفوتي أثناء تمددي على الصوفا
المقابلة للتلفزيون. بدأت أفكر لماذا داهمني جدي بالقادمين الجدد ( العولام
حداشيم) . تذكرت الشوارع القديمة في المجدل التي زرتها قبل أكثر من خمس سنوات.
كانت البنايات القديمة متروكة ذابلة و كأنهم تركوها لتموت. المحلات القديمة تعلوها
يافطات مكتوبة غالباً باللغتين العبرية و الروسية. تيقنت كم كان مصيبا عندما
أخبرني أننا أولاد آدم و حواء فلكل واحد منا كيشه ( نفاياته البشرية على طريقة
ميلان كونديرا).
بعد أسبوع من مكالمتي لسامي يوسف حاولت
إزالة الفيديو الذي يسرد فيه حكايته للنكبة على طريقته التي
لا تخلو من النرجسية. أبلغت عن أن الفيديو مخالف معايير يوتيوب. و قمت
بمراسلتهم على أمل أن يستجيبوا لطلبي. بالرغم من أني لم أعول كثيرا على
أمكانية استجابتهم, فلقد صعقت من عدم الاستجابة فلقد أحسست أن أي شخص يستطيع
ادعاء ما يشاء وقتما يشاء.
استشاط بي الغضب بعد أن فشلت محاولتي في مسح الفيديو عن
اليوتيوب. أصبحت أتحدث مع نفسي. سردت على طاولة الطعام لزوجتي و لبنتي حكاية الحج
يوسف و إبنه سامي يوسف و حفيده يوسف الذي حسبته صديقا لي فإذا به يوشي عني بكلام
لم أقله أمامه لرفاقه – رفاقي السابقين. لم افضي بشيء لمدة أسبوعين لوليد
السرطاوي, لكنني بعد فشل محاولتي لحذف الفيديو صرحت له بما حدث بيني و بين
سامي يوسف. استشرى غضبي و أصبح ظاهرة مرضية تبرر عجزي و قنوطي عن تنفيذ
المتطلبات لإتمام كتابة رسالة الدكتوراه. دونت تسلسل الأحداث خلال شهر بعد سماعي
للمقابلة التي أجريت مع سامي يوسف على قناة دائرة اللاجئين بمنظمة
التحرير. سيطرت على أفكار ملحة لم أستطع طردها. تذكرت الدكتور عبد الرحمن
الشنطي الذي عمل معي في أحدى المراكز الصحية التابعة لوكالة غوث و تشغيل اللاجئين
الفلسطينيين – الأنروا- و ما كان يقول له بضرورة اجتناب بعض الناس- تحدث تحديدا عن
الناس المتورطين في جرائم القتل البشعة التي تبقى سراً عائلياً, لكن الناس
الذين يسكنون في مخيمات اللاجئين في بيوت متجاورة سرعان ما يكتشفونها
و تصير مادة للهمس. أخذت أستعيد شريط ذكريات مما أتذكره من سنوات عمري الأولى
حتى مكالمتي مع سامي يوسف. صرت أسرح فيما من الممكن أن يحدث في
المستقبل , أتخيل سيناريوهات و أحدث نفسي بها . لقد صرت على مدار الأربع عشر
شهور الأخيرة معطوباً. صرت معطوبا عقليا أو نفسيا أو صرت أكثر عطبا من
ذي قبل.
بعد يومين أو ثلاثة من إعلامي من فريق اليوتيوب بعدم إمكانية حذف شريط سامي يوسف ,
وجدت الحرقة تجتاحني و لم أجد لي سندا سوى الله, فوجدت نفسي أكتب على الفيس
بوك :
"
ما أخذ بسيف الحياء فهو باطل, و على اليد ما أخذت حتى تؤديه؛ وليت أمري لله."
من عادات سامي يوسف ككل
الشخصيات النرجسية تضخيم نفسه و شيطنة الآخرين. بعد أن حصل على الأوراق بحجة
تصويرها واستأثر عليها بطريقة تجمع الخجل الممتزج بنوع من التواطؤ من طرف أبي و
عمي, و الغطرسة و وضع اليد من جهة سامي يوسف, أخذ سامي بتكرار سرد أحداث لم يعشها
بالتأكيد و إن كان سمع عنها من أبوه أو من والدته. كان يكرر مثلا أن خال والدي,
الذي يكون في الوقت نفسه عم والدتي, خليل قد حاول الاعتداء على جده و جد والدي
بدون أن يذكر سبباً لذلك. كانت زوجة جدهما الأولى , مريم, هي أخت والدة خال
والدي. لم تنجب من زوجها من جد والدي أي من الأبناء و البنات, فزوجته جدة والدي
فاطمة التي أنجبت جدي خليل و أخيه يوسف و أختيه صفية و عائشة. و عندما كبرت
مريم و كبر جد والدي طلقها حتى لا تأخذ أي حصة من ميراثه. لم أترك هذا الأمر
حتى قبل أن يدعي سامي يوسف أن جدي الحج خليل طلب من أولاده أن يعطوه
الأوراق لأنه حسب إدعاءه هو من يستطيع أن يحافظ عليهم. كنت قد كتبت حكاية جدي على
لسانه مبينا أن جهد جدي الحج خليل كانت تحصده أو تسرقه أيدي الحج يوسف (
والد سامي يوسف) :
هذه شجرة العائلة؛ هذه أرواحنا العارية, هذه أجسادنا
التي أرهقها العمر و فضت بكارتها السنون بعد أن خشينا عليها من عبث العصابات؛ هذه
أرواحنا العالية و قاماتنا الشامخة برغم الظنون. أهلكتنا الكوليرا و الأوبئة و حطت
من شأننا الجيوش؛ و لم نعد قادرين على الزعرنة و قطع الطرق ببرابيش الأراجيل و لا
مؤهلين لجمع ضريبة العشر. جاؤونا مع الباشا فرادى و جماعات من بر مصر او هربوا من
الثار في أعالي الصعيد, فصاروا منا و منحناهم ألقابنا و اسم بلادنا , و منحونا
أجسادهم و أسماءهم. غابوا في السفربرلك و أكلوا معنا الشعير من روث الخيول, و
حرثوا الزرع في السهول, و قرعوا معنا في الحرب الطبول, و دُفِنوا في مقابرنا و
هاجروا كما هاجرنا. عاش جدك ستون عاما قبل أن يموت أخويه تميم و محمد بدون أن يحظى
لا ببنت ولا بولد, لتزوجه زوجته مريم، امي التي لم تلدني، من الحجة فاطمة، والدتي
التي أنجبتني.
هذه شجرة العائلة؛ هذه خريطة البلد. أربعة أرباع و ما
أكثر الحواري و نحو ألفي و مئتي بيت.
الجامع الكبير الذي بناه المماليك مثله مثل المحكمة و
السوق القديم و البلدية و سوق الخضار الجديد كلهم يقعون في وسط البلد؛ أما في ربع
المداهنة فيقبع الجامع الصغير كما مقهي محسن المدهون و إبراهيم كفينة و قهوة ابو
العبد صمد. بين المسجدين يقع ضريح الشيخ ظلام , و خلف الضريح ثمة مدرسة للبنات.
هنا كنت أمشي و أؤثث عمري بالسعي وراء رزقي. نعم كنت
أمشي, فأول مرة رأيت فيها الترومبيل كانت عندما كنت في السابعة أو الثامنة بينما
كنت أتعلم و أحفظ القرآن و ألفية إبن مالك في كتاب الشيخ, الذي تزوج إبنه الأصغر
أختك بعد نحو أربعين عاما و هاجرا إلى بلاد الحجاز.
هنا سكنة رئيس البلدية و نزلٌ لطلابِ المدرسة
الحكومية في ربع الشروخ, و هذا سوق الحلال في ربع الزكاكتة؛ و هذه حارة الطلسة,
حيث صيدلية زخريا و مسلخ البلدية و دائرة الصحة و زاوية التميمي و دارنا الجديدة.
هنا قمري الصغير , هذه شبابيك البيوت , هنا ساحات
الدور؛ هنا نخل و سدر و أثل و ناي ؛ هذا قلبي الذي أتعبه الرحيل و لم تتعبه خطاي,
هنا رزقي الذي صار يحصده سواي.
مدرسة الذكور في أخر البلد بالقرب من الحاووز ، حيث
دائرة الصناعات الخفيفة و العيادة الصحية قبل الوصول إلى الطريق المؤدية إلى بربرة
و من ثم جنوبا إلى غزة؛ أما مركز البوليس فهو بعيد في طريق يؤدي إلى الشارع
الرئيسي بين غزة و يافا.
هنا الموارس في الطريق إلى البحر حيث كنا ننقع الخيوط
بالأصباغ لتلبس البلتاجي و الجنة و نار كل نساء البلد؛ و هنا كنا ندرس القمح قبل
ان نأتي به إلى المطاحن لصنع الدقيق؛ و هنا أحيينا أنظمة الري في آسيا القديمة،
فهذه برك الغرق و برك الاستاذ و بركة طموس .
هذا شارع السنوار, حيث فرع بنك الأمة العربية; و هذه
حارة عبيد, و هنا حارة اللبابدة في الطريق إلى حمامة, حيث كان الهكسوس يحاولون
إستعادة أمجادهم في رفد الخيل بالعجلات و تعليم الفراعنة فنون القتال.
هنا منجرة شاتيلا في مربع الشكاكرة حيث كانت تُصنَع
المسديات و النول ليُنسج الحرير و القطنيات للقمابيز و السراويل و الديمايات و
الأثواب, و هذا مصنع الصخرة الذي أقامه الحاج خليل صالحة مستعينا بٱلات نسيج حديثة
مستوردة فحازت منسوجاته على المرتبة الأولي في المعرض العربي التجاري الصناعي
الأول عام 1946 في حيفا؛ و هذا منزل يوسف نجم كأنه قصر قديم بالرغم أنه بني في زمن
السلطان العثماني الاخير. هذا
منزول جدك من أمك الحاج عبدالله, المقام بجوار بيتهم الكبير المبنى على دونمين
كاملين. أكبر بيت في البلد, أحتضن فرقة على الكسار عندما جاءت من مصر لتحيي حفلتها
الكبيرة. هذه
بقالتي و هذا المخزن الذي كنت أنا و الحاج محمود نحفظ فيه الخيطان و أثواب البفتة
و قماش الروزا و الكتان و البقوليات و السكر و الرز قبل أن يضعوا يدهم عليهم.
هنا برية المقابر و معصرة الزيتون و الطريق المؤدية
إلى الجورة و خرائب عسقلان حيث جَنَحَت الطائرات و ألقت براميلها؛ و هنا زيتون
الغراب الغربي و القبلي و الشرقي و الشمالي ؛ و هذا هو زيتون الغراب الشمالي
الشرقي حيث ألقت الطائرات حممها بعد أسبوعين من شتوة الصليب ليستشهد خالك إسماعيل؛
و هذا هو شاطئ البحر حيث سارت عربات الجيش المصري منسحبة إلى غزة ؛ و من هنا
خرجنا و أصبحنا لاجئين.
22/06/2021
كما أنني كنت قد أشرت في كتابة سابقة عام
2019 إلى الليرات الذهب التي كان يلعب بها الحج يوسف عندما كان عمي طفلا في
الثانية عشر من عمره و يضعها الحج يوسف في طاسة كطاسة النيدو من محصول
دكانة سيدي الحج خليل حسب وصف عمي حتى و أنا في طفولتي الغضة:
يبدو أننا كائنات ليلية بالوراثة. يبدو أننا نحب
الرسم بالوراثة. يبدو ان ذاكرتنا البصرية يقظة بالوراثة. كنت في صغري ملتصقا بعمي.
كنا نسكن في بيت مستأجر به تسع غرف و قاع دار بها نخلة باسقة. كان لعمي غرفة بها
مكتب يمارس عليه الرسم باقلام الفحم و الأحبار و كان بها فانوسا يصنع به سحرا
شبيها بما يفعله الفنانون البصريون الٱن ببرامج الكومبيوتر.
كنت اتمسمر على كرسي بالقرب من عمي في اخر الليل
عندما يذهب الجميع إلى النوم. كان يتسلى بالرسم أو يقوم بعمل تصميماته لمجلة
البراعم للأطفال او لمجلة العلوم التي أصدرها زهير الريس او لمجلة الشروق التي
أصدرها محمد خاص في غزة او يصمم إعلانات تجارية. كنت اراقبه و هو يرسم و يصمم
أغلفة المجلات و الاعلانات. كان عمي ينثر علي القرشلة و القضامة كما
كان ينثر علي حكايات من زمن بعيد. لم اكن اسمع مثل هذه الحكايات من والدي. الهجرة
كانت أقصى كلمة من الممكن أن أسمعها منه، فلقد هاجر جدي و أسرته من المجدل بينما
كان عمر والدي خمس سنين و عمر عمي إحدى عشرة عاما.
كان عمي يحدثني عن النول و المسدية و طقوس صناعة
النسيج في البلاد؛ عن البيوت القديمة و وادي النمل و اربعة ايوب و ضريح الحسين؛
كان يحكي لي عن سيده الحاج حسين و سته الحاجة فاطمة و عن الحاكورة و الضباع و بنات
أوي ؛ كان يحدثني عن ليرات الذهب، و كان ينثر ببساطته و براءته على الكلام الكثير
من السحر .
لم يذكر لي عمي كل الحكاية. خرج جدي من المجدل في
بدايات نوفمبر / تشرين ثاني من تلك السنة المشؤومة . كان المصريون يؤكدون أن الأمر
هو مجرد انسحاب تكتيكي. ساروا مع أكثر من عشرة الاف من سكان المجدل و من اللاجئين،
الذين لجئوا الى بيوتها و شوارعها و مبانيها العامة من القرى و البلدات المحيطة،
خلف عربات الجيش المصري سالكين طريق الشاطيء جنوباً . كانوا متيقنين أنهم سيرجعون
بالتأكيد قريباً الى بيوتهم. حمل جدي معه والدته و زوجته و أبناءه و بناته و ما خف
وزنه و زاد ثمنه. بقي في
المجدل والده، الذي يقال أن عمره كان قد قارب القرن، و أخيه و عائلته و ٢٦٠٠ نسمة.
و ترك جدي دكانة عامرة بالبقالة و النول و خيوط النسيج التي كان يمتلكها في
المجدل. استطاع جدي أن يستأجر بيتا في غزة و سرعان ما اسس تجارة قائمة على الصناعة
اليدوية للنسيج.
لم يذكر لي عمي كل الحكاية. فعمي الذي أقتلع من ذروة
طفولته عند هجرتهم لم ترق له غزة بالرغم من أن وضع والده كان فوق الريح , إذا ما
قورن بالمئتي و الخمسة آلاف لاجيء الذين جاؤوها من كل مكان في فلسطين حاسبينها
سفينة نوح.
لم يذكر لي عمي تعلقه بجده.، لكنني رأيت البورتريه
الذي رسمه له. لم يذكر لي عمي تعلقه بالمجدل، لكن المجدل كانت تنزف حياةً في
لوحاته. كان يفيض بالحكايات عن جده و جدته .
لم يذكر لي عمي انه عاد مع العائدين بعد أسابيع قلائل
من استقرارهم في غزة. لم يذكر لي أنه تسلل مع المتسللين إلى المجدل. عاد مع
الذين كانوا يتسللون من غزة على ضوء القمر ليجلبوا الفِراش و أواني الطعام و ملابس
الشتاء التي تركوها في بيوتهم. ليأتوا بما خزنوه من غلال حقولهم، و ليحلبوا ماعزهم
و ليتفقدوا ما علق باحلامهم من غبار الخيام.
لم يذكر لي عمي, و أنا في ذلك العمر, أنه عاد إلى
المجدل حافيا. لم يذكر لي عمي انه مكث مع جده و عمه و أسرته ما يزيد عن الثمانية
عشر شهرا كي يمارس ما تبقى من طقوس الطفولة. لم يذكر لي انه كان يتسلق البيوت
المهجورة باحثا عن البنانير التي تركها أقرانه. لم يذكر لي عمي شيئا عن السياج
الذي أحاطوا به بيوت المجدل القديمة. لم يكن
عمي البسيط يعرف شيئا اسمه الجيتو.
لم يذكر لى عمي، و انا في ذلك العمر، انه لم يترك
المجدل حتى مرض جده العجوز و امتنع عن الاكل و الكلام. لم يذكر لي عمي أنه لم يترك
المجدل إلا بعد أن بات السياج يضيق و يضيق على المجادلة. لم يكن
عمي يعرف انه لم يترك المجدل الا بعد أن تم تعيين موشيه دايان قائدا عسكريا
للجنوب. لم يكن عمي يعرف أن موشيه دايان طلب من ضابط العمليات في قيادة الجنوب ،
الكابتين عاموس جوريف، أن يقدم له مشروعا لنقل الفلسطينيين من المجدل. لم يكن عمي
يعرف أن يوري جيجيك، الذي صار مسؤولا لبلدية غزة مرتين في ١٩٥٦ و أثناء الانتفاضة،
قد أبلغ المجادلة أن ساعة رحيلهم من بلدتهم قد ازفت. لم يكن أحد يدرك أن المجادلة
لم يطردوا من الجيتو الى معسكر الاعتقال الا بعد أن أشار بن غوريون, و هو في مسبحه
في طبريا, لموشية
دايان بيده بأن يُجليهم بعيدا بدون أن ينبس ببنت شفة.
لم يخبرني عمي انه غادر الى غزة قبل أسابيع قلائل من
وفاة جده في المجدل. لم يخبرني عمي و انا في ذلك العمر انه غادر قبل أشهر قلائل من
ترحيل عمه و أسرته من المجدل إلى الخليل. لم يخبرني عمي أن عمه و اسرته كانوا قد
تسللوا بعد سنتين من الظاهرية, على سنام الجمال فى جنح ظلام الصحراء، بعد أن ضاقت
بهم الحال الى غزة.
لم يخبرني عمي عن كل ذلك، لكنه كان يخبرني عن الجنة،
و عن ليرات الذهب التى كانت في المجدل. لم يخبرني عمي عن كل ذلك، لكنه نثر على سحر
البلاد و اغرق نظري بصورها التى اختزنتها ذاكرته البصرية.
و مثلها بعد يوم و عام كتبت ردا على يوسف
إبن سامي يوسف الذي أخبر وليد السرطاوي أنني أهذي و أتحدث كلاما غير صحيحا :
لا أعض على أصابعي ندماً لا
على سذاجتي, و لا على إقحامي لنفسي في أشياء سخيفة, و لا على خوضي لمعارك خاسرة
منذ البداية. لست نادما على خروجي من معاركي منهكاً, و متهماً بأمور " لا
ناقة لي فيها و لا جمل". لست أسفا على مكوثي بين الجرف و الفأس, لأخرج بأضلع
مكسورة و بنظرات لومٍ ثقيلة, و برميي بالحصى و بالكلام. لست أسفاً على أي
شيء, فلقد فعلت كل شيء بوعي و بصدق, و بإيمان بعدالة و نبل ما أقوم به .
إنني أنتقم منكم أيها الأوغاد, فلقد أوقدتم فيٌ نار كراهية لا شفاء منها و حقداً
لا فكاك منه. أقدمت على كل موبقاتي و اجترحت كل مآثري بدون أن أدوس على مشاعر
الآخرين. همزت و لمزت, لكنني لم أسئ لكم مباشرة, لأترككم ضحايا لمخلفات أفكاركم و
مشاعركم, و لخردة انفعالاتكم الغرائزية. كانت نبرتي حادة, لكنني, و الكل
يشهد بذلك, لم أخرج يوما عن الأدب, بالرغم من كل قلة أدبكم. اتهمتكم جميعا, لكنني
كنت دائما أحاول أن أجد مبررا لتصرفاتكم.
لست نادماً على أي شيء. استخدمت الشك, الذي أسلح به
نفسي, سكينة أبقر بها بطونكم المنفوخة بالثقة و باليقين, الذين يؤهلانكم
لتصنعوا من أنفسكم آلهة, بدلا من الآلهة التي كفرتم بها.
أنا متعب و مهموم, لكنني لست نادماً على أي شيء. أنا فخور بكل ما اجترحت من الأفعال, و بكل ما ارتكبت من الخطايا. فخور بصدقي و
عفويتي, بارتباكاتي و عثراتي, بانفعالاتي و حنيني. بكل أحلامي المجهضة و
آمالي بعيدة التحقق, بكل آثامي و خطاياي فلولا تلك الخطايا و الآثام التي يرتكبها
البشر, ما كان لهم أن يتقدموا قيد أنملة في دهاليز قوقعتهم الحلزونية.
أنا فخور تماما بعدميتي و بحِدتي, بأرقي المزمن و بقلقي المستوطن, بأحلام يقظتي و
كوابيسي التي توقظني من النوم لتحرضني على التفكير, أنا فخور بهشاشتي و
رعونتي, فهما قوتي في وجهكم, في وجه المعلبات البشرية.
فخور بثوراتي و انهياراتي و انفجاراتي في وجه ماكينات الواثقين
المدعيين الذين لا يساورهم أدنى شك و لا ينال منهم أي سؤال؛ في وجه من يجعل منهم
اليقين مجرد صوراً كاريكاتورية لجنرالات بلا انتصارات و لا عضلات و لا حتى أوسمة, و
لمثقفين بلا روح, و لرجال أعمال بدون أي رأسمال سوى ما ترميه عليهم قبائلهم و
فصائلهم من سقط متاعها و الدول المانحة من نفاياتها المالية.
كانت كتاباتي قبل ذلك مجرد شذرات أشاركها
لأفضفض عن نفسي أو للحصول على بعض اللايكات و التعاطف. ها أنا أقوم بنسخ بعض منها
من صفحتي على الفيس بوك و أقوم بلصقه هنا.
إستبد
بي الأرق بشكل غير طبيعي, و أحسست أن إنجازي لأطروحة الدكتوراة مهدد فلم أستطع أن
أواصل الكتابة و لا التركيز فيما أفكر. كنت قد انقطعت في نهاية شهر أبريل عن
الدراسة لمدة ثلاثة أشهر. كان مرض زوجتي هو مبرر أو حجة الانقطاع عن الدراسة هذه
المرة, فلقد استبد بنا القلق من وجود ورم في الرئة اليسرى حيث تبين وجود تضخم في
العقد الليمفاوية, و لكن في اليوم الذي أنهيت فيه الإجراءات الإدارية
للتقدم للانقطاع عن الدراسة , أخبرتنا الطبيبة أنها لا تعاني من ورم خبيث , و أنها
تعاني من مرض آخر أقل خبثا على المدى القصير لكنه ذو عواقب وخيمة على المفاصل
والحالة الصحية العامة على المدى الطويل.
بعد أقل من شهر وجدتني أعيد نشر ما
كتبه شعبان " يا أبي عندي لك عتاب, لم تعلمني الحياة مع
الذئاب."
بعد
فترة شكوت لوالدتي أنني لا أستطيع النوم بسبب ما قام به سامي يوسف , لم أجد
أمامي سوى والدتي لأشكو لها همي , فحدثتني ما كان يتلوه عليها جدي الحج
سليم, ولم يكن مني إلا أن كتبته و أضفت إليه ما يشير إلى سامي يوسف و من لف لفه:
" قال العرب انه ليس
هناك أقوى من الجبال، ثم أضافوا أن الجبال يقطعها الحديد، و استطردوا أن النار
تذيب الحديد، و أن الماء يطفئ النار والسحاب يحمل الماء، والرِّيح تعبث بالسَّحاب،
و العقل جعل الإنسان يتكفَّأ الريح بيده وثوبه، فاستنتجوا أن عقل الإنسان أقوى،
لكنهم استدركوا أن الخمر تذهب عقل الانسان عندما يسكر، و أن النوم يغلب السكر
فيصحو و عقل الإنسان سليما معافى ، فالنوم أقوى، و أن الهم يغلب النوم فلا اشد
وطأة من الهموم. و أنا واثق إن الأقدار ستنتقم من من يبث الهموم من القتلة و
اللصوص الذين يتفننون في الإدمان على التعجرف و الكذب و الافتراء و الثرثرة و
النميمة لتغطية جرائمهم و لنسب أمجاد لا يستحقوها لأنفسهم." 13/07 /2022
" أخرجوا من دمي أيها الأوغاد، سرقتم نصف عمري و انتم تأكلون لحمي، و افسدتم
مناماتي المؤرقة و أنتم تستخدمون دماغي في اعداد فته الكوارع، اجهضتم أحلامي
الصغيرة بينما كنتم تتحدثون بصوت عال عن انتصاراتكم في معارك من نسج خيالكم
المريض، و فضضتم بكارة براءتي و أنتم تحفرون الابار الارتوازية لري جناين فلل
الأثرياء.
أخرجوا إلى الأبد ،
سأطردكم مع جيناتي الفاسدة، ومع نفايات جسدي المريض، لقد سرقتم كل شيء، اوراقي القديمة
و دفاتري، طيبة سريرتي و صفحي ، هدوئي و تسامحي، حلمي و صبري، دماثة خلقي و عفة
حديثي، لقد سرقتم كل شيء أيها الاوغاد، و لم تتركوا لي إلا الكتابة بحبر الكراهية
و الكلام الفاحش. أخرجوا من دمي أيها الاوغاد، أخرجوا كما خرج المحتلون من جبال
الأطلس مع مليون شهيد و عشرات آلاف المصابين بإشعاعات التجارب النووية. أخرجوا
الان من دمي و من حمضي النووي، من ذكرياتي التي تعكرون صفوها، أخرجوا مع حوادث
السطو المسلح و مع القتل بأيدي الغرباء، أخرجوا الان و إلا فاني سأقطع شراييني.
سأحبس الهواء عن دمي. سأموت في ذمتكم. سأموت لأولد من جديد بعيدا عنكم، سأولد من
جديد حتى لا أفكر في البصق في وجوهكم، حتي لا امشي في الطرق التي تسلكونها و في
الدروب التي تدل عليكم، حتى اخرج من الكوكب الذي لوثتم هواءه باستهتاركم بالأخرين
، و من المجرات التي ثقبتم سماوتها بغروركم و غطرستكم. أخرجوا الان لأولد من جديد
بدون حمضي النووي الذي اشترك معكم فيه، و بدون أحقادي الصغيرة و ذكرياتي المعطوبة
التي صنعتموها بنفوذكم و سطوتكم و تفاهتكم." 20/ 07
/2022
" لم يعد مثيراً الاكتشاف أن ربط الأحداث و المواقف
التي مررت بها, و التي نمت إلى مسامعك مما حدث مع آخرين, و تقاطعات
كل هذه الأحداث و المواقف, تؤدي إلى نسج حكاية تفوق الخيال الروائي. المؤلم هو مدى
نذالة و وضاعة أبطال الرواية, التي يحفل بها هذا الواقع, الذي يتفوق في غرابته على
الخيال الروائي, و مدى سذاجة من فشلوا في الظهور كأبطال للرواية أو من لم يحاولوا
مطلقا أن يكونوا أبطالاً." 3/08/ 2022
"
قرأت قبل مدة عن السلام باليد و أنه عندما كانت الناس تسلم باليد التي كانت تحمل
بها سيوفها و أسلحتها, فإن ذلك كان يدل على الرغبة في المسالمة و على عدم وجود
نوايا عدائية لدى أحد الطرفين عبر تأكيد خلو اليد من السلاح, كما أنني قرأت أن
المصافحة باليد تمنح الطرفين المتصافحين القدرة على جس نبض مشاعر الطرف الآخر و
صدق ما يبدر منه. تذكرت ذلك و أنا أتأمل شريط زمني طويل من تصرفات بعض من لم
يستطيعوا يوماً المصافحة السوية باليد, أو أولائك الذين يتصنعون ذلك بشكل ملفت
للنظر و كأنهم يمارسون طقوس بروتوكول ديبلوماسي مفروض عليهم, سواء لخلل وراثي أو لعور سلوكي. أرشدني هذا الشريط
إلى بعض من أسوأ السلوكيات البشرية كالتعالي و الانتهازية و الدناءة و النذالة و
الاستهانة بالأخرين و الاستيلاء على حقوقهم.
حذاري
ممن لا يستطيعون المصافحة باليد بشكل إنساني و من أولئك الذين لم تعلمهم الحياة
سوى طرق التحيات العسكرية و المصافحة الديبلوماسية باليد؛ و عذرا على التعميم". 04/08/ 2022
يبدو أنني انغمست في كتابة
أطروحة الدكتوراه و توقفت عن الكتابة و حاولت مقاومة التفكير في سامي
يوسف, و لكني بعد أن أرسلت الاطروحة بأيام عدت للكتابة, خصوصا و أنني تأكدت
أن العبد أخ سامي يوسف مرتبط بسكرتيرة كانت تسهل له العلاقة مع أحدى الجهات
المانحة:
" "لعنة
الله عليك يا فالح العتال". تمتمت زينب في سرها و أجهشت بالبكاء.
"هذه أخرتها" همست بينها و بين نفسها و لعنت
اليوم الذي عرفته فيه. كل هذه السنين لم تثمر مع فالح الملعون. تحملته و تحملت
غطرسته و استهتاره بها. ليتها لم تعرفه يوما. تمنت لو استمرت في بيع التفاح
الجولاني في سوق المعسكر, أو تزوجت بعامل بسيط يشاركها قلبه وسره و تمنحه فراشها و
روحها.
ثلاثون عاما, و هذه هي أخرتها. ثلاثون عاما و هي تطرد
شكوكها و ظنونها. تصاب بالزكام حتى لا تترك مجالاً لحاسة الشم. ثلاثون عاما, و ها
هي تواجه الحقيقة التي طالما تفادت الارتطام بها.
في كل مرة كان يسافر و يعود كانت تشم رائحة غريبة
تزكم أنفها, و ها هي تصطدم بالحقيقة التي طالما أنكرتها حتى لا تجرح كبريائها.
كانت تطرد الشكوك, كما كانت تهش الذباب عن وجوه أبناءها النيام, و كما كانت تطرد
الأرق و تخلد للنوم بقراءة آية الكرسي و قصار السور. خمسة عشر عاما و هو يسافر في
مهمات العمل و يعود منها. هذا ما صار حاله بعد أن أصبح رجلا مهماً يتباهى بسفراته
كما يفتخر بنفسه و بعمله في المجال العام و بمنظمة المجتمع المدني كما يحب أن يسمي
الدكانة التي يديرها. خمسة عشر عاما و زينب تشم و تطرد الوساوس.
لكن هذه المرة بدا كل شيء واضحاً. لعنته. تذكرت
الهمسات التي كانت تنمو لمسامعها عن تسميته بفالح العتال. عن خلفية الكنية. ففالح
لم يكن فالحا يوماً. إمكانياته المتواضعة لم تؤهله إلا أن يلتحق بمعهد القطن. لكن
فالح كان صبورا ذا جَلَد. واظب على القراءة كما واظب على ممارسة الرياضة. و صار
كلما قرأ كتابا يذيع عن ذلك أمام أي زميل يلتقيه من أقرانه, مقدما
تلخيصات بسيطة لما يقرأه أمامهم ليحيط نفسه بهالةٍ من المعرفة. كان يتباهى
بقراءاته كما يتباهى بملابسه و أحذيته التي يجلبها معه من أوروبا في رحلات الشتاء
و الصيف. و هكذا إسحق فالح بفضل جلده و صبره و مثابرته لقب العتال؛ أما هو, فكان
يصف نفسه بالعصامي.
هذه المرة أضحى كل شيئاً مختلفاً. لم تعد ترمي
التلميحات الحائرة بدلال. أحجمت عنه لأيام. اختلت بنفسها. لعنته مع كل زفرة.
"لعنة الله عليك يا فالح العتال"
صارت تختلي بنفسها, و تلعنه, و تجهش بالبكاء. انفجرت
أخيراً كقنبلة فراغية. لم يكن أمامها إلا أن تنفجر ببراهينها؛ و لم يكن له إلا أن
يقر بالذنب أمام أدلتها. لم يكن أمامه إلا أن يفعل ذلك حتى ينقذ بيته و أبناءه و
بناته و أحفاده و حفيداته. حتي لا يتسرب السر إلى خارج البيت فيخدش صورته التي
طالما رسمها لنفسه أمام الآخرين. حتى لا تصاب شعاراته بأي سوء ( و بأي سوء ستصاب
شعاراته بعد كل سوؤها).
نعم لقد فعلها فالح العتال. لم يكن أمامه إلا أن
يفعلها كما أقنع زينب. أقنعها أن ما فعله هو استمرار لما يفعله منذ أن انخرط في
العمل العام , كما يحب أن يسمي عمله. هذه خمسة مليون يورو يا زينب. أصبحت قادرا
على أن أوقع على شيك بخمسة مليون يورو يا زينب, بدون حسيب أو رقيب. لم يكن أمامي
إلا أن أقترن بهذه السكرتيرة الشمطاء يا زينب. كان على أن أقنع مملكة الدنمارك أن
تضع خمسة مليون يورو في عهدتي يا زينب. كان على أن أقترن بمملكة الدنمارك يا زينب.
بسكرتيرة من مملكة الدنمارك يا زينب. كيف كان لنا أن نبني هذه الفيلا على شاطئ
البحر ؟ كيف كان لنا نترك شقتنا الصغيرة إلى فيلتنا البسيطة؟ كيف كان لنا أن نخرج
من زقاقنا الضيق إلى العالم الرحب يا زينب؟؟ العمل العام يا زينب !! العمل
بالسياسة يا زينب !! و العمل بالسياسة يتطلب الاقتران بمملكة الدنمارك و بسكرتيرة
من مملكة الدنمارك. كتمت
زينب السر و أصبحت سيدة مجتمع تلعن فالح العتال و الرائحة القادمة من مملكة
الدنمارك . أصبحت
زينب سيدة مجتمع تحلم بأن يعود بها الزمن إلى الوراء لتبيع التفاح في سوق المعسكر." 31/ 10 / 2022
كنت أعرف أن الكلام عمومي ,
و لن يجرح سامي يوسف , بل قد يغبطه, فعملت بالمثل القائل إن ضربت فأوجع:
" عليكم
جميعا أن تنسوها. أخرجوها من ذاكرتكم و من ذكرياتكم. أحرقوا صورها و هي تزحف في
دار المعسكر. و هي تلعب مع ابنه الذي يصغرها ببضع شهور في الفيلا المستأجرة في
أرقى أحياء المدينة. لا بأس لو احتفظتم في مكان ما بشهادة ميلادها بناءً على
إفادة داية في مخيم جباليا, احتفظوا بشهادة وفاتها التي حررها طبيب الهلال
الأحمر الفلسطيني في مخيم اليرموك. لكن حذاري من أن تنبسوا باسمها ببنت شفا,
أن تتذكروا حكايتها أو أن تنبشوا في تفاصيل الحكاية. انسوا كل شيء!
اسمها و رسمها. ضحكتها و حزنها. هيئتها
و شكلها. انسوا سبعة عشر عاما ؛ ثمانية عشر عاما و تسعة عشر عاما.. طفولتها و
مراهقتها؛ زهرة شبابها. انسوا كل شيء؛ انحناءات جسدها و رغباتها
وشهواتها. خطاياها و مآثرها؛ انسوا كل شيء.
كان يصرخ بملء صوته, بكل خلية من خلايا جسده, و بكل
أحاسيسه: انسوا
كل شيء, انسوا كل النساء ؛ و تذكروني أنا . أنا البطل. تذكروني أنا, تذكروني
أنا ببطولاتي التي صنعتها. تذكروا مآثري و حكاياتي التي قصصتها عليكم , تذكروا
سنوات سجني و أيام نضالي. تذكروا كتبي التي ترجمتها, و جنوني و عظمة رجولتي, و
فحولتي و حيلتي و ذكائي التي تحوم حولكم, و يدي
التي أرخيت قبضتها عليكم جميعا. انسوا كل الأشياء التافهة و تذكروا الوطن.
الوطن الذي نذرت له حياتي و منحني كل ما أحتاج.
كانت تحسب أن المناداة بحرية الرجال و بحرية الوطن
تمنحها الحق في حريتها. كانت شهواتها تنمو كالنمو الغير متجانس لجسدها. أغواها
ابن صاحب الفيلا التي استأجرها الحج يوسف بالجنيهات الإسترلينية التي تبقت من
ما جلبه ابنه سامي معه عندما تسلل من شرق النهر. كانت كسمكة تنتظر أي صنارة
تصطادها. أقدمت على محاولات للانتحار. حاكموها بناء على سجلات المستشفى و دفع الحج
يوسف الغرامة. أعلن أنه غير قادر على تربيتها و أن على أخيها سامي أن يقوم بذلك.
بعثها مع خالها لتعبر الجسر.
إستنطقها أخوها سامي كما كان يستجوب زملاءه في السجن.
كان يملك كل الشكوك و كان شعوره بأهميته و إيمانه بعظمته يؤهلانه ليكون مدججا
بالاتهامات. لم يكن بحاجة للبراهين ليدينها. صمتت أمام جنونه و شكوكه و اتهاماته.
أصدر الحكم و نفذه كما كان ينفذه في السجن. اهتز عرش السموات و الأرض. إختلق
الحكايات أمام أطفاله. لم تفلح الأدوية في كبح جماح ضغط دم الحج يوسف بعد أن سمع
الخبر وأصابته جلطة في القلب, و توفي بعد أشهر. قضى سامي يوسف سنتين في النوم
نهارا و في مطاردة الكوابيس في الليل.
كان على الجميع أن ينسوها؛ أن يتجاهلوها. أن يقتنعوا
بروايته و بحكمه و حكمته. صاح أخوته مجتمعين : "لعنة الله عليك يا سامي يوسف".
كان على الجميع أن ينسوها؛ أما أنا فكان على أعيد
قراءة معذبي "فرانز فانون" في الأرض الذي تركته لي, لكنني لا أستطيع إلا
أن أقول:
" لعنة الله عليك يا سامي يوسف"!
و ها هو سامي يوسف يجعلني أسبح بعد أن هز عرش السموات
و الأرض, و كل تسبيحاتي تبدأ و تنتهي ب:
" لعنة الله عليك يا سامي يوسف" !! " 20/
11/ 2022
يومها
لم يكن من زايد إلا أن نشر في نفس اليوم : " هيهات
منا الذلة " J
و
اليوم بينما كنت أقلب الفيس بوك لأنسخ و ألصق ما كتبه وجدتني أعود للكتابة
بشكل مباشر. وجدت أحد النصوص الجميلة لشاعر طالما أحببت ما يكتبه. بدأ الشاعر ما
كتبه بحسنا أريد رسائلي, فما كان مني إلا أن بدأت بلازمة مشابهة بحسناً أريد
أوراقي:
" حسناً، أريدُ أوراقي.
أوراقي التي حملهَا جدي في دروب الهجرة الوعرة.
أوراقي التي نقلها من بلدِ إلى بلد, و من بيت إلى بيت.
أريدها جميعا, أحفظها جميعا عن ظهر قلب. اريد اثنى و ثمانين ورقة.
أريد أوراق الطابو, و عقود الشركات, و ما يثبت ما آلت
إليه أنوال النسيج و المسديات، و دكانة جدي في السوق. أريد الفواتير التي دفعها
مقابل ضرائب البيوت التي أحيلت إلى مصلحة أملاك الغائبين. أريد بيانات الممتلكات
التي بقيت في الأراضي الخاضعة لحكم العدو. أريد الأوراق التي
دفع جدي قيمة دمغتها. اريد طوابع الدمغة. أريد إيصالات الديون التي لم تسدد. أريد
بطاقة التموين التي استخرجها جدي. أريد أوراق من هاجروا منذ وقتٍ طويل. أريد
أسماءهم. اريد أوراق من ماتوا. أريد أسماءهم. أريد اسم عمي
حسين الذي لا تعرفونه.
أريد أوراق جدي التي تقودني إلى درجات سماوية تجهلونها. أريد التاريخ الذي
طالما عاقبتمونا عليه. أريد التاريخ الذي طالما أرقكم.
أريدُ أوراقي
المحفوظةَ في مطويات ورقية ملونة طمس الزمن لونها .
أريد أوراقي
المحفوظة في مطويات مكتوب عليها بضع كلمات بقلم الكوبيا.
أريدُ أوراقي
التي أحتفظُ في عينيي بلونها المائل إلى الاصفرار .
أريد أوراقي
التي تسرد كل الحكاية
أريدُ أوراقي
التي نجت من ايدي الغزاة.
أريد أوراقي
التي تواصلُ تنفُّسها الرتيبَ في أدراج اللصوص ."
بالطبع لا أعرف
إن كانت رسائلي و شذراتي التي كتبتها على الفيس بوك قد
وصلت إلى سامي يوسف أم لا, فابنه يوسف يستطيع بسهوله أن
يجعله لا يتابع منشوراتي على الفيس بوك بالرغم من أنه على قائمة الأصدقاء.
فلقد أخبرني وليد السرطاوي أن يوسف صرح له بانزعاجه من منشوراتي خصوصاً ما
نشرته في الأيام الأولي بعد مهاتفتي لوالده, و بان والده غير مكترث بالموضوع.