Monday, December 7, 2009

أوراق الطابو - شؤون عائلية - غير عائلية




أحاول أن أكتب  بحبرٍ  غير حبر الكراهية, لكنني لا أستطيع. ليس أمامي سوى الكراهية. ليس أمامي سوى مديح  الكراهية. أعذرني يا خالد خليفة, فأنا لا أستطيع أن أجاريك لا في كتابة السيناريوهات و لا في كتابة أي شيء. أنا أكتب من شغاف القلب, من فرط الحب و من شدة الكراهية. الكراهية مثلها مثل الحب طرفان نقيضان للمشاعر, مثل  الحزن و السعادة و كل الصفات التي ننعت بها المشاعر. لا  أعرف إن كانت خيانة اللغة في وصف المشاعر هي التي ورطتني بالحديث  عن الكراهية بهذه السهولة. لماذا لا يكون الحقد مثلا  بدلا عن الكراهية. سأكتب, أو سأحاول الكتابة متفاديا الثنائيات الحادة للمشاعر, لكنني لا  أستطيع ضمان ذلك. فأنا أشعر أثناء الكتابة و  كأنني أحك  جرحا عميقا ما زال يؤلمني.  نعم سأكتب محاولا  التفهم, و الكتابة بحد ذاتها قد تكون كفيلة أن تهذب  الكلمات من مشاعر الكراهية, لكنها بالتأكيد لن تستطيع أن تطمس كل هذه المشاعر التي تجتاحني.  

أذكر جيداً كيف بدأ هذا الكابوس, فمنذ عشرة أيام  ( الحقيقة أن زمن السرد يجب أن  يكون واضحاً) و أنا غارق في مشاعري السلبية. سموا هذه المشاعر كما شئتم. فمتى كنت بعيدا عن تلك المشاعر السلبية, لكن الأمر هذه المرة تجاوز أي نوع من المشاعر السلبية. تناولت جهاز الموبايل من الكومودينة المحاذية. كنت أنفض عن جسدي بقايا نومي المؤرق بعد ساعتين أو أكثر من انتصاف النهار. لفت انتباهي منشور على الفيس بوك ليوسف, الذي طالما حسبته   أكثر من أخ و عاملته أفضل من ذلك ليتبين لي قبل فترة بسيطة  العكس تماما, فهو يوشي عني لأحد أعضاء المجلس الوطني بكلام لم أقله يوما أمامه . المنشور الذي شاركه يوسف كان  عبارة عن فيديو للقاء أجرته دائرة اللاجئين بمنظمة التحرير الفلسطينية مع والده ,  أبو يوسف – الجنرال سامي يوسف- . ضغطت على المنشور فحولني الفيس بوك إلى اليوتيوب.

ظهر سامي يوسف يتحرك في غرفة ممسكاً سيجارة مشتعلة بين أصابعه. أخذ يتحدث بطريقته التي عهدته بها محاولا بدون أي جدوى إضفاء نوعاً من الرزانة . تحدث في البداية عن ذكرياته كطفل لم يبلغ الثامنة  من العمر و عن رؤيته لقوات الحيش المصري  و هي تنسحب من المجدل نحو غزة من طريق شاطئ البحر بينما كانت  الناس محتمية بكروم العنب و بحقول الذرة. ثم عرج على بقاء ثلاثة آلاف من أهل المجدل فيها بعد   الإنسحاب  المصري من البلدة, و أوعز بقاءهم إلى وجود مثقفين حرضوهم على البقاء. طالما سمعت  هذه السردية  من  سامي يوسف, وكأن البسطاء يتأثرون بأشياء مثل التحريض السياسي و الأيديولوجي أكثر من تأثرهم بمصالحهم و رؤيتهم لها, كما أنه كان  قد أعطاني مادة كان أعدها و ترجمها عن كتاب بيني موريس 1948 و مشكلة اللاجئين يتطرق إلى إحتلال المجدل و تهجير سكانها. أثار كلام  سامي يوسف لدي مزيجا من غريباً السخرية و الإمتعاض و الشفقة. فهو ينطق بذاكرة طفل راوح بين الثامنة و العاشرة من العمر في الفترة الواقعة  بين تشرينين  في 1948 و في 1950, و بمعلومات رجل بلغ الثانية و الثمانين من العمر و برغبات إنسان طالما سعى وراء تدبيج سردية حول عظمته المدعاة. إستمر الجنرال في حديثه و حكايته المملة المبثوثة على اليوتيوب, و كأنها تسجيل بيتي معالج بشكلٍ جيد بتقنيات  صوتية معقولة. واصلت مشاهدة اللقاء على شاشة الموبايل حتى  الدقيقة الثامنة عشر من اللقاء, لكن سرعان ما أصبح الكلام ممجوجا و مثيرا للشجون. فلقد بدأ الجنرال يقلب في أوراق الطابو التي كانت ضمن أوراق جدي الحج خليل التي وضع يده عليها بالحيلة قبل أثنتي عشر عاماً. طالما أثارت هذه الأوراق و الطريقة التي إستولى عليها سامي يوسف لدي الكثير من الحنق, خصوصا بعد وفاة والدي  قبل أكثر من خمس سنوات.  



No comments:

Post a Comment